المنجي بوسنينة

207

موسوعة أعلام العلماء والأدباء العرب والمسلمين

التجارب وتطبيق ما طالعه على الحياة الطبيعية من حوله . فكان يركّب المعاجين ويدرس الأعشاب ويضع موازين الماء ، ويقوم برسم الرخامات الظلية بالحساب ، ويرسم الدوائر لبيان اتجاهات الرياح ، ويتدرب على إطلاق القنبلة ( البونبة ) . وكلما علم بوجود عالم أو خبير في علم من العلوم يذهب إليه ويتعلم منه صنعته . وقد لخص اختصاصه بقوله ذات مرة في قوله : إنه أصبح عشابا وصيدلانيا وطبيبا في بعض الأمراض . وقد اتسعت دائرة تعلمه عندما أخذ يتنقل في العالم العربي الخاضع في معظمه للدولة العثمانية . وأول خروج له من الجزائر كان سنة 1130 ه / 1718 م عندما أدى فريضة الحج ، ورغم شبابه فإنه سجل وهو في تونس ، ملاحظات تتعلق بأصل الموسيقى . وفي حجّاته الأخرى كان يسجل ملاحظاته العلمية ويؤلف الرسائل ويناقش المسائل التي لم تكن تشغل عقول جيله من المتعلمين . ذكر ابن حمادوش بالاسم بلدانا زارها وأقام فيها كالمغرب ، وتونس ، والحجاز ، ومصر . كما ذكر بلاد العرب والعجم ، دون تحديد ، وقد نفهم أنه زار أيضا الشام واسطانبول ، ولا نظن أنه زار بلدانا أوربية . ونفهم من حديثه عن رحلته أنها كانت بحرية ، بما في ذلك رحلته إلى المغرب . وقد يكون توقف في بعض موانئ البحر الأبيض المتوسط . غير أن الطريق البحري إلى الشرق معروف ، وهو المرور بموانئ تونس وطرابلس والإسكندرية ، ثم عبور مصر إلى خليج السويس والبحر الأحمر ، لكن هذه التنقلات قد أكسبت ابن حمادوش معرفة عميقة بالأوضاع العامة وبالحالة العلمية التي كان مهتما بها ، ومكنته من اقتناء الكتب والتعرف على تجارب العلماء القدماء والمعاصرين في الطب والصيدلة والفلك والرياضيات . وتكشف آثاره الباقية أنه كان يكتب يومياته ويسجل ملاحظاته ويذكر من لقيهم من العلماء سواء الذين قصدهم أو الذين سمع عنهم ، فجدّ في الاتصال بهم والأخذ عنهم ، وكان يلح في أخذ الإجازة من العالم الذي يقصده ، ويتبع الطريق المعروفة في الاستجازة كتقديم أبيات من الشعر وقطعة من النثر ، مقدما نفسه ومثنيا على المجيز ، ثم يطلب منه الإجازة . وإذا زار مدينة الجزائر أحد العلماء سارع ابن حمادش إلى ملاقاته والقراءة عليه وتحصيل الإجازة منه ، أو عرض تأليفه عليه وتصحيحه والسعي إلى الحصول على شهادة الشهود من العلماء على التصحيح . ولدينا أمثلة على ذلك تكشف عنها رحلته إلى المغرب ولقاؤه مع الطبيب عبد الوهاب أدراق ، والفقيه محمد البناني وغيرهما ، وتصحيح كتابه في المنطق على أحمد الورززي المغربي عند زيارته للجزائر ، وقد شهد له على التصحيح عدد من علماء الجزائر على رأسهم المفتي أحمد بن عمار . أنجز ابن حمادوش أعماله النظرية في الجزائر نفسها ، وهذا لا يعني أنه لم يضف إلى ذلك قراءاته في البلدان الأخرى التي زارها . أما تآليفه فنعتقد أن معظمها ضائع . والغالب على الظن أن « كشف الرموز » ألفه في الجزائر ، وأن « تعديل المزاج » ألفه في مصر ، وأن الجزء الثاني من رحلته « لسان المقال » كتبه في المغرب ، ثم أضاف إليه مواد ووثائق في